العيني

201

عمدة القاري

وفيه : أن رواته ما بين كوفي ومدني . ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة ويحيى بن يحيى ، وقتيبة ، ثلاثتهم عن أبي الأحوص . وعن أبي موسى وبندار كلاهما عن غندر عن شعبة . ثلاثتهم عن أبي إسحاق عنه به . وأخرجه أبو داود فيه عن النوفلي عن زهير به وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ، وعن عبيد الله بن سعيد عن يحيى بن سعيد وعن سويد بن نصر عن ابن المبارك ، كلاهما عن شعبة به . وأخرجه ابن ماجة فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة به . ذكر معناه وإعرابه قوله : ( أما أنا فأفيض ) بضم الهمزة من الإفاضة ، وهي الإسالة . قال الكرماني : أما للتفصيل فإني قسيمه ؟ قتل : اقتضاء القسيم غير واجب ، ولئن سلمنا فهو محذوف يدل عليه السياق روى مسلم في صحيحه ( أن الصحابة تماروا في صفة الغسل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه السلام : أما أنا فأفيض ) أي : وأما غيري فلا يفيض ، أو فلا أعلم حاله كيف يعلم ، ونحوه . انتهى قلت : التحقيق وفي هذا الموضع أن كلمة أما بالفتح والتشدي حرف شرط وتفصيل وتوكيد ، والدليل على الشرط لزوم الفاء بعدها ، نحو * ( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق ) * ( سورة البقرة : 26 ) والتفصيل نحو قوله تعالى : * ( وأمَّا السفينة فكانت لمساكين وأما الغلام وأما الجدار ) * ( سورة الكهف : 79 ، 80 ) وأما التوكيد فقد ذكره الزمخشري ، فإنه قال : فائدة أمَّا في الكلام أن تعطيه فضل توكيد تقول : زيد ذاهب قصدت ذلك ، وإنه لا محالة ذاهب وإنه بصدد الذهاب وإنه منه فإذا عزيمة قلت : أمَّا زيد فذاهب وهنا أيضاً للتأكيد فلا حاجة إلى القسيم ، ولا يحتاج إلى أن يقال : إنه محذوف وأمَّا الذي رواه مسلم فهو من طريق أبي الأحوص عن إسحاق ( تماروا في الغسل عند النبي صلى الله عليه وسلم : فقال بعض القوم : أمَّا أنا فأغسل رأسي بكذا وكذا ) فذكر الحديث . وقال بعضهم : هذا هو القسيم المحذوف . قلت : لا يحتاج إلى هذا لأن الواجب أن يعطي حق كل كلام بما يقتضيه ، الحال فلا يحتاج إلى تقدير شيء من حديث روي من طريق ، لأجل حديث آخر في بابه من طريق آخر . قوله : ( ثلاثاً ) أي : ثلاث أكف ، وهكذا في رواية مسلم ، والمعنى : ثلاث حفنات كل واحدة منهن بملء الكفين جميعاً ، ويدل عليه أيضاً ما رواه أحمد في مسنده : ( فآخذ ملء كفي ثلاثاً فأصب على رأسي ) وما رواه أيضاً عن أبي هرير : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب بيده على رأسه ثلاثاً ) وفي ( معجم ) الإسماعيلي : ( إن وفد ثقيف سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن أرضنا باردة فكيف نفعل في الغسل ؟ فقال : فأفرغ على رأسي ثلاثاً ) وفي ( أوسط ) الطبراني مرفوعاً : ( تفرغ بيمينك على شمالك ، ثم تدخل يدك في الإناء فتغسل فرجك وما أصابك ثم توضأ للصلاة ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات ، تدلك رأسك كل مرة ) وقال الدودي : الحفنة باليد الواحد . وقال غيره : باليدين جميعاً والحديث المذكور يدل عليه ، والحثية باليد الواحدة ، وبما ذكرنا سقط قول بعضهم : إن لفظه ثلاثاً ، محتملة للتكرار ، ومحتملة لأن يكون للتوزيع على جميع البدن ، قوله : ( وأشار بيديه ) من كلام جبير بن مطعم ، أي : أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه الثنتين ، كما قلنا : إن كل حفنة ملء الكفين . قوله : ( كلتيهما ) كذا في رواية الأكثرين . وفي رواية الكشميهني كلاهما . وحكى ابن التين في بعض الروايات ( كلتاهما ) . قلت : كون كلا وكلتا عند إضافته إلى الضمير في الأحوال الثلاثة بالألف لغة من يراهما تثنية وإن التثنية لا تتغير كما في قول الشاعر : * إن أباها وأبا أباها * قد بلغا في المجد غابتاها * وأما وجه رواية الكشميهني كلاهما بدون التاء فبالنظر إلى اللفظ دون المعنى . ويستنبط منه أن المسنون في الغسل أن يكون ثلاث مرات ، وعليه إجماع العلماء . وأما الفرض منه فغسل سائر البدن بالإجماع ، وفي المضمضة والاستنشاق خلاف مشهور . وقالت الشافعية استحباب صب الماء على الرأس ثلاثاً متفق عليه ، وألحق به أصحابنا سائر الجسد قياساً على الرأس ، وعلى أعضاء الوضوء ، وهو أولى بالثلاث من الوضوء فإن الوضوء مبني على التخفيف مع تكراره ، فإذا استحب فيه الثلاث فالغسل أولى . وقال النووي : ولا نعلم فيه خلافاً إلاَّ ما تفرد به الماوردي حيث قال : لا يستحب التكرار في الغسل وهو شاذ متروك ، ورد عليه بأن الشيخ أبا علي السنجي قاله أيضاً ذكره في ( شرح الفروع ) فلم ينفرد به ، ونقل ابن التين عن العلماء أنه يحتمل أن يكون هذا على ما شرع في الطهارة من التكرار وأن يكون التمام الطهارة ، لأن الغسلة الواحدة لا تجزىء في استيعاب غسل الرأس . قال : وقيل : ذلك مستحب ، وما أسغ أجزأ ، وكذا قال ابن بطال : العدد في ذلك مستحب عند العلماء ، وما هم وأسبغ أجزأ .